زكي مبارك

118

عبقرية الشريف الرضي

وما لي يا لمياء بالشعر طائل * سوى أن أشعاري عليك نسيب ( 1 ) أحبك حبا لو جزيت ببعضه * أطاعك مني قائد وجنيب وفي القلب داء في يديك دواؤه * ألا رب داء لا يراه طبيب وهذه قطعة تصافح القلوب ، ولكن ماذا صنع صاحبنا الشريف لقد ترفق بمحبوبته فمنحها شطرا من الفضل إذ جعل تصونها أعنف الرقباء ، وهذا معنى إنساني نبيل ، وهل ينكر منصف أن من النساء من يجاهدن الهوى كما يجاهده أعفاء الرجال هل ينكر منصف أن هناك نساء نعاشرهن طوال السنين وفي قلوبنا وجد مشبوب ثم نكتفي منهن بحلاوة الانس وبشاشة الحديث لا تقولوا إن الشريف يتكلف العفاف ، فان حاله يختلف عن حال أبي نواس وأمثال أبي نواس ممن لا يرون الوجوه الصباح إلا في المواخير ، فان التبذل في وصف ليالي الأنس يقبل من شاعر لا يرى وجه الدنيا إلا في سراديب الحانات ، أما الشعراء الذين تسمح لهم مقاماتهم في المجتمع بأن يكونوا على صلات مع كرائم « العائلات » فلهم شأن آخر ، لأنهم يدخلون بيوتا لها قدسية المحاريب ، وليس من التزيد أن أقول إني عرفت هذا النوع من الحياة فرأيته أغرب الألوان في عالم الشعر والخيال ، وله لذة أنضر وأعمق من لذة العبث والمجون ، ولكن أين من يدرك كرائم المعاني

--> ( 1 ) لمياء : اسم امرأة ، من اللمى وهو سمرة الشفتين ، والعرب يحبون سمرة الشفاه ، وما أحسبهم على ضلال